وعي وعلم · مقالة مترجمة
كيف تغيّر التجربة السايكدلية الدماغ؟ دراسة جديدة تقترب من الإجابة
قراءة المقال الأصلي بالإنجليزية على NBC News ↗تشير دراسة صغيرة إلى أن تجربة سايكدلية واحدة قد تُحدث تغيّرات جسدية في الدماغ، وهو ما قد يفسّر الفوائد النفسية التي يقول بعض الأشخاص إنهم يشعرون بها بعد هذه التجربة.
ركّز البحث، الذي نُشر يوم الثلاثاء في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز»، على السيلوسايبين، وهو المركّب السايكدلي الموجود في ما يُعرف بـ«الفطر السحري». وقد تناولته عدة دراسات على البشر، ووجدت أنه يبدو قادرًا على تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق، كما أظهر نتائج واعدة في علاج الإدمان.
لكن الكيفية الدقيقة التي قد يُحقق بها هذه الفوائد لا تزال قيد البحث.
ويحظى هذا السؤال باهتمام علمي متزايد. ففي الشهر الماضي، وقّع الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا لتسريع الأبحاث المتعلقة بالسيلوسايبين والإيبوجايين، وهو مركّب سايكدلي آخر يُستخرج من لحاء جذور نبات موطنه غابات الكونغو المطيرة. وبعد هذا الأمر، منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مسار مراجعة سريعة لشركتين تدرسان استخدام السيلوسايبين لعلاج الاكتئاب.
ينقسم الباحثون عمومًا إلى فريقين: فريق يفترض أن التجربة السايكدلية نفسها ضرورية لتحقيق الفوائد والتغيّرات الدماغية التي تُحدثها هذه المواد، وفريق يرى أن المركّبات الكيميائية ذاتها، وليس التجربة، هي العامل الأساسي.
وتدعم الدراسة الجديدة الرأي الأول، إذ تشير إلى أن شدة التجربة السايكدلية لها أهمية بالفعل.
وقال روبن كارهارت-هاريس، الباحث الرئيسي المشرف على الدراسة وأستاذ علم الأعصاب في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: «وجد البحث أنه كلما ارتفعت درجات الاستبصار النفسي، زاد التحسّن في الاستجابة العلاجية».
شملت الدراسة 28 شخصًا في لندن، بلغ متوسط أعمارهم 41 عامًا، ولم يسبق لهم استخدام مواد سايكدلية أو تشخيصهم باضطرابات نفسية. وتلقّى الجميع جرعة مقدارها ملليغرام واحد من السيلوسايبين، وهي جرعة تُعتبر أصغر من أن تُحدث تجربة سايكدلية، واستُخدمت في الدراسة بوصفها جرعة ضابطة بديلة عن الدواء الوهمي.
وخلال تأثير هذه الجرعة، سجّل كارهارت-هاريس وفريقه نشاط أدمغتهم باستخدام تخطيط كهربية الدماغ «EEG». ثم تابعوا المشاركين بفحوص إضافية للدماغ، منها التصوير بالرنين المغناطيسي، خلال الأسابيع الأربعة التالية.
وبعد شهر من الجرعة الضابطة، تلقّى الجميع جرعة مقدارها 25 ملليغرامًا. وتُعدّ هذه الجرعة معيارًا شائعًا في أبحاث العلاج، وهي الكمية التي تستخدمها شركات الأدوية الساعية للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على العلاج بمساعدة السيلوسايبين.
وقد وفّرت السيلوسايبين المستخدم في الدراسة شركة «كومباس باثوايز» البريطانية، وهي إحدى الشركات التي مُنحت مسار المراجعة السريعة. كما سبق لعدد من مؤلفي الدراسة العمل مستشارين علميين لدى شركات تُجري أبحاثًا على المواد السايكدلية، من بينها «كومباس».
تابع الباحثون نشاط أدمغة المشاركين بعد ساعة، وبعد ساعتين، وبعد شهر من تلقّي الجرعة. وقبل التدخّل وبعده بشهر، خضع المشاركون أيضًا لنوع من التصوير بالرنين المغناطيسي يُسمّى «تصوير موتر الانتشار» أو «DTI»، لقياس كيفية حركة الماء على امتداد الألياف العصبية التي تربط مناطق الدماغ المختلفة.
وفي بعض المسارات العصبية التي تصل بين القشرة أمام الجبهية — المسؤولة عن وظائف مثل تنظيم المشاعر والتحكّم في الاندفاعات — والأجزاء الوسطى من الدماغ، بدا أن حركة الماء قد انخفضت بعد التدخّل، ما يشير إلى احتمال حدوث تغيّرات بنيوية في تلك المناطق.
وقال ألبرت غارسيا-روميو، المدير المشارك لمركز أبحاث السايكدليكس والوعي في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز في بالتيمور: «يميل عامة الناس إلى فهم ذلك على أنه إعادة تشكيل للمسارات العصبية في الدماغ. لكن ما وجدوه فعليًا هو أن الطريقة التي يتحرّك بها الماء على امتداد الألياف العصبية تبدو وكأنها تتغيّر».
ووصف غارسيا-روميو الدراسة الجديدة بأنها استكشافية وليست حاسمة، وقال إن نتائجها «تشير إلى حدوث بعض التغيّرات البنيوية بعد التعرّض للمادة، لكن بعض هذه الأنواع من التغيّرات لا يُعدّ بالضرورة إيجابيًا؛ فبعضها يشبه ما قد نراه في حالات إصابات الدماغ الرضّية».
ووجدت الدراسة أن التجارب السايكدلية الأكثر شدة بدت مرتبطة بتغيّرات أكبر. فبينما لم يُبلغ أي مشارك عن تجربة سايكدلية مع الجرعة الضابطة، أفاد جميع المشاركين باستثناء شخص واحد بحدوث تغيّرات ملحوظة في حالات وعيهم عند تلقّي جرعة الـ25 ملليغرامًا.
أما الذين وصفوا تجاربهم بأنها أكثر عمقًا — وهو ما ارتبط أيضًا بنشاط دماغي أكبر أثناء التجربة — وأفادوا باستبصارات أكبر خلال الأيام التالية، فقد أظهروا تغيّرات أكبر في حركة الماء على امتداد المسارات العصبية بعد شهر من التدخّل.
وقال كارهارت-هاريس: «نحن لا نعرف حقًا ما الذي يعنيه ذلك، لكن المسارات تصبح أكثر كثافة». وأضاف أن بعض التغيّرات التي وثّقها فريقه تسير في الاتجاه المعاكس لما يلاحظه الباحثون في أدمغة المصابين بأمراض التنكّس العصبي، مثل ألزهايمر، حيث تصبح تلك المسارات أقل تماسكًا وأكثر تشتّتًا.